العقوبات المتعلقة بمنع الانتشار النووي: تقييم وتقدير الاحتياجات و العواقب

یوم الاثنين 3 يونيو، 2013

في سياق القضايا الجيوسياسية الكبرى التي يعيشها عالم اليوم، نظمت الأكاديمية الجيوسياسية الباريسية، في 03 جوان 2013 بقصر لوكسمبورغ (مجلس الشيوخ) ندوة تناولت فيها مسألة “العقوبات المتعلقة بمنع الانتشار النووي: تقييم وتقدير الاحتياجات و العواقب.

ان العقوبات الدولية التي فرضتها الأمم المتحدة  و العقوبات من جانب واحد تطبق وتقرر بشكل متكرر اليوم حيث أصبحت شيئا قشيئا الوسيلة الدولية الوحيدة التي تمارس للضغط. إحدى الأهداف المعلنة لهذه العقوبات هي مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل. ومع ذلك، يناقش تأثير وفعالية هذه الأداة في هذا المجال. فما هي الآثار المترتبة عن العقوبات على البلدان المعنية؟ هل تخدم في بعض الأحيان أغراض أخرى غير تلك المتعلقة بعدم الانتشار؟.

افتتحت الندوة من قبل ايمرى دي مونتيسكيو، عضو مجلس الشيوخ بجيرس ورئيس جميعة الصداقة الفرنسية الإيرانية الذي اكد أن الإساءة للشعب الإيراني ليست الحل المناسب لتحقيق الأغراض المرجوة من العقوبات، و هو يرى ان تلك العقوبات تزيد من تلاحم الشعب بعضه ببعض حيث يتحد في مجابهة الضغوط الخارجية كما حدث بخصوص القضية النووية الإيرانية التي أدلى ببعض التذكير بشأنها. في الواقع، هناك نوع من الطابع الوراثي لامتلاك الأسلحة النووية العسكرية المخصصة للأعضاء الخمسة لمجلس الأمن التابعة للأمم المتحدة، التي عينت أيضا من جانب واحد، الاستثناءات الباكستانية والهندية و الإسرائيلية. و بذلك فان اللعبة معيبة، بل هناك جانب غير عادل للغاية في تحديد الجهة التي يمكن أن تكون لها قدرات نووية وتلك التي قرر بشأنها النظام الدولي الجديد أنها لا تستطيع الوصول إليها. يعتقد المتحدث بذلك أن العقوبات الدولية لا تعزز فقط الرغبة الكبيرة التي عبر عنها داخليا الشعب الإيراني لأجل الوصول إلى الطاقة النووية ولكنها توطد أيضا قرب إيران الاستراتيجي من الصين و روسيا. تغيير المنظور هو إذن أمر ممكن ومرغوب فيه.

سعادة السيد بطرس بطرس غالي، أمين عام سابق للأمم المتحدة، بسبب حالته الصحية لم يتمكن من حضور المؤتمر. ومع ذلك، كلف أحد زملائه، السيد إيلي حاتم، بقراءة خطابه.

أصر سعادة السيد بطرس بطرس غالي، على انه ينبغي أن يكون الغرض المتوقع من العقوبات تغيير سلوك دولة أو أي كيان يهدد السلم والأمن الدوليين وليس معاقبتهم أو اتخاذ الانتقام منهم. وهذا هو أيضا أساس المادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة.

العقوبات هي في الواقع اداة حادة وفقا لقوله. انها تثير مسألة أخلاقية لمعرفة ما إذا كانت المعاناة المفروضة على الفئات الضعيفة في البلدان المستهدفة هي وسيلة شرعية لممارسة الضغط على القادة السياسيين في هذا البلد. المسألة وفقه : هي ما إذا كانت هذه التدابير تؤثر فعلا على القادة السياسيين أو تستخدم الشعب المدني كرهينة لإجبار هؤلاء بتحويل الرأي العام ضدهم. و يضيف أن التجربة في هذا الصدد قد أظهرت أن العقوبات لها آثار غير مقصودة أو غير متوقعة ما دامت الأمم المتحدة لا تملك الوسائل للسيطرة عليها.

دون التشكيك في أهمية العقوبات ضد أي فعل يعتبر فعلا غير مشروع دوليا، يريد سعادة السيد بطرس بطرس غالي أن العقوبات يتم اعتمادها من قبل القضاء بدلا من السياسيين في عالم لابد ان يسوده ويسيطر فيه الحق على النفعية السياسية.

ثم أخذ بعد ذلك الكلمة الدكتور علي راست بين، رئيس الأكاديمية الجيوسياسية الباريسية، لتقديم الشكر لجميع الحضور في مؤتمر الأكاديمية: حيث وجه شكر خاص للسيد ايمرى دي مونتيسكيو عضو مجلس الشيوخ للترحيب الحار الذي خصصه للأكاديمية. كما أعرب عن شكره لأعضاء السلك الدبلوماسي الحاضرين، بما في ذلك الأميرة سفيرة بلجيكا، وأصحاب السعادة سفراء كل من مملكة البحرين و بنغلاديش و بوليفيا و جورجيا و الكويت و مولدوفا و توغو و السفير والمندوب الدائم لأفغانستان لدى اليونسكو، والسلك الدبلوماسي البرازيل و كندا و الصين و كوريا و مصر و غواتيمالا و العراق و إيران و اليابان و كازاخستان و الموزمبيق و جمهورية التشيك و تنزانيا و رومانيا و روسيا و السودان و سري لانكا وتوغو وتركيا والممثل السامي لحكومة إقليم كردستان ومدير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان والفرانكوفونية.

ادلى الرئيس بعد ذلك ببضع كلمات حول موضوع المؤتمر موضحا أن العقوبات تستخدم اليوم بطريقة احادية الجانب ومتعددة الأطراف كوسيلة للضغط على بلدان أخرى. ومع ذلك، فهو يعتقد أن هذه الوسيلة يمكن أن يساء استخدامها في بعض الأحيان لخدمة مصالح سياسية. ويضيف أن هذه العقوبات تتجاوز طاقم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بطريقة خارج الحدود الإقليمية و احادية الجانب وذلك على شعوب أخرى. وقال انه أصبح من العاجل النظر فيها ، بفضل الخبراء، مختلف الأبعاد السياسية والاقتصادية والقانونية والإنسانية للعقوبات وضرورة إيجاد حل مناسب لمنع هذه العملية التي تستهدف في الواقع شعوب البلدان الخاضعة للعقوبات.

في السنوات الأخيرة، كانت واحدة من الأهداف المعلنة للعقوبات هي مكافحة انتشار الأسلحة النووية. ومع ذلك، يتساءل الرئيس إذا ما كان في حالة إيران، إنشاء عقوبات واسعة ضد هذا البلد قد أدى الى تعزيز عدم الانتشار النووي أو، على العكس، من خلال ذلك، فإن الدول التي تطبق هذه العقوبات لا يستهدف أغراض سياسية؟

اعلن الرئيس رغبته في ان يركز المؤتمر على القضية الإيرانية كواحدة من الدول الخاضعة للعقوبات. كما أعرب عن أمله في أن يجذب هذا التبادل للأفكار والمناقشات انتباه واضعي السياسات الدولية بشأن قضية العقوبات في ضوء الواقعية وفهم الضغوط على التي تمارس على شعوب البلدان الخاضعة للعقوبات ، استعراض يمكن تقييم هذه القرارات و نتائجها بدقة وبطريقة تتناسق مع القانون الدولي.

وقد نظمت الندوة في شكل مائدتين مستديرتين

الأولى ترأسها سعادة السيد بيير لافرانس، سفير سابق لفرنسا في إيران وممثل الامم المتحدة في افغانستان

أعطى سعادة السفير لافرانس فورا الكلمة للمتكلم الأول للمائدة المستديرة الأولى، سعادة السيد فرانسوا نيكولو، سفير سابق لفرنسا في إيران، اختار علاج موضوع “هل هناك استخدام حسن للعقوبات؟“.

يعتقد صاحب السعادة السفير ان الشكل الذي اتخذته الحالة الإيرانية يثير التساؤلات مرة أخرى حول استخدام العقوبات التي لديها تقليديا سمعة سيئة في فرنسا، حيث تعتبر خطيرة ومكلفة وغير فعالة. فالواقع هو أكثر دقة من ذلك، وفقا للمتحدث. في الواقع، استخدمت الجمهورية الخامسة العقوبات بطريقة دورية، مع عدد من النجاحات. لكنه أضاف أن الولايات المتحدة هي بلا شك البلد الأكثر استخداما لهذه الأداة في السياسة الخارجية. ومع نهاية الحرب الباردة، كان من الأسهل استخدام العقوبات المتعددة الأطراف، المتمتعة بشرعية مجلس الأمن.

و هكذا استخلص سفير فرنسا الأسبق في إيران من تاريخ العقوبات الشروط المساعدة في نجاحها. العقوبات هي على سبيل المثال أكثر فعالية إذا كان هدفها منخفض، و كانت قريبة سياسيا وثقافيا من المعتدي ونظامها السياسي يمتاز بالتعددية. ويضيف أن فرص نجاحها تزيد أيضا عندما يكون غرضها محدود و إذا ما تم تقديم حل واضح للبلدان الخاضعة للعقوبات ولكن هذا النوع من التقييم هو نادرا ما يجرى في بداية سياسة العقوبات، و منه التسربات والنكسات المدهشة التي تعتنقها الآراء. ولكن مهما كانت الانتقادات، لا تزال العقوبات عنصرا هاما من العمل الدولي في سلم الوسائل الذي يبدأ من إنتاج المعايير – عمل الدبلوماسية المتعددة الأطراف – الى الاستخدام المفتوح للقوة : عمل الجيوش.

اختار المتحدث الثاني، تييري كوفيل، أستاذ الاقتصاد في نيغوسيا، تناول عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد النظام المالي الإيراني: ما هي الأسس القانونية. و يلاحظ انه للضغط على إيران في إطار برنامجها النووي، اتخذ الاتحاد الأوروبي عددا من التدابير تستهدف البنوك التجارية الإيرانية المملوكة من الدولة، و هي أكثر صرامة من تلك التي اعتمدتها الأمم المتحدة و تقترب أكثر فأكثر من العقوبات المالية الأمريكية. في الواقع، أشار إلى أنه في جوان يونيو 2008 جمد المجلس الأوروبي جميع الأموال والموارد الاقتصادية التي تمتلكها أو تسيطر عليها شركات إيرانية على أراضي الاتحاد الأوروبي.

و بالإضافة إلى هذه العقوبات المستهدفة، يضيف أن الاتحاد الأوروبي قد وضع عقوبات أكثر عمومية. منذ أكتوبر 2010 تم تنظيم تقريبا جميع التحويلات المالية التي يتعدى مبلغها 000 10 اورو من أو إلى شخص أو كيان إيراني حيث لا بد أن تخضع هذه الأموال إلى إجراءات الإخطار والإذن، و يمنع على بنوك الاتحاد الأوروبي أن يكون لها علاقة مراسلة مع البنوك الإيرانية. في ديسمبر 2012 تم منع جميع عمليات نقل الأموال بين البنوك الأوروبية والمصارف الإيرانية. وقال انه من حيث المبدأ، هناك استثناءات  فيما يتعلق بالصحة والغذاء، ولكنها ليست صالحة لأنه معقد للغاية بالنسبة للبنوك الأوروبية التعامل مع إيران. و بذلك يتساءل البروفيسور كوفيل عن القاعدة القانونية لهذه العقوبات الشاملة، بما في ذلك فرض حظر على التحويلات المالية. استند في هذا الصدد، على عدد من قرارات المحاكم في المملكة المتحدة. حيث أعلن أن العقوبات وضعت في موقف صعب فيما يتعلق بتبرير مفهوم الصلة المباشرة اللازمة مع السلطات النووية الإيرانية، بما في ذلك استخدام حجة “السر الدفاعي” التي لا تتوافق وفقا للمتكلم، ومبدأ الديمقراطية.

تكلم المتحدث الثالث، السيد إيلي حاتم، وهو محام وأستاذ في الكلية الحرة للقانون و الاقتصاد والإدارة بباريس، عن العقوبات المتجاوزة الحدود الإقليمية والاستقلال السياسي للدول.

ركز السيد ايلي حاتم على مصطلح “السيادة” الذي قال انه هو التعبير القانوني عن استقلال الدول. وما يعبر عنها هو حقهم غير القابل للتصرف في تنظيم أنفسهم داخليا، وبالتالي اعتماد قواعد بكل حرية من خلال أجهزة تشريعية أو حكومية خاصة بهم (في حالة الأنظمة، على سبيل المثال، بفرنسا). العقوبات خارج الإقليم، وفقا للسيد حاتم، هي تدابير متخذة من جانب دولة واحدة أو أكثر، تطبّق على العاملين في القطاعين العام والخاص في دول أخرى، وهي تمس بالسيادة و بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وقال المتحدث انه يعتقد أن هذه الإجراءات ليست فقط غير قانونية بسبب انتهاك القواعد الآمرة، لكنها تعكس اضطراب يعم المجتمع الدولي.

اختار المتكلم التالي، السيد بيير ايمانويل دوبون، محام ومستشار في القانون الدولي العام ومحاضر في الكلية الحرة للقانون و الاقتصاد والإدارة بباريس موضوع دور العقوبات في تنفيذ خطة عدم الانتشار النووي.

درست هذه المداخلة بعض المسائل القانونية التي تطرحها هذه التدابير (العقوبات) من جانب واحد و المتخذة ضد دول أو كيانات معينة. التدابير من جانب واحد هي تدابير منفصلة من تلك التي اتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في إطار ما يسمى بجهاز الأمن الجماعي لميثاق الأمم المتحدة. ومن بين الحالات الأخيرة، يقول السيد دوبون، هي التدابير المتخذة ضد إيران من قبل الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه في سياق عام 2012، لإقناع إيران بالتخلي عن عدد من الأنشطة في برنامجها النووي، والذي يتضمن الحظر الواسع على واردات النفط والغاز الإيرانيين (دخلت حيز التنفيذ في 1 جويلية يوليو 2012) وتجميد أصول البنك المركزي الإيراني. تطرح هذه التدابير، من حيث القانون الدولي، أولا مشكلة وضعها القانوني الذي يتوقف عليه النظام القانوني المطبق عليها. ويرى المؤلف أن هذه التدابير يمكن وصفها بأنها تدابير مضادة. ولذلك، تساءل عن حقيقة ما إذا كان، في اتخاذ قرار تنفيذ هذا النوع من التدابير، قد امتثل فيه الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء للشروط – الإجرائية والموضوعية على حد سواء – لاستخدام التدابير المضادة، مثل ما تم تحديدها في البنود المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا والمعتمدة في عام 2001 من قبل لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة.

حلل المتكلم الخامس، علي فتح الله نجاد، وهو باحث في العلاقات الدولية في جامعة لندن، الأسباب السياسية للعقوبات.

تعرض مساهمته الدوافع المعلنة للعقوبات المفروضة ضد إيران مع تأثيراتها الملحوظة. حيث أن العقوبات الاقتصادية هي واحدة من الأدوات المفضلة للسياسة الخارجية الغربية. وعادة ما يتم تقديمها كأداة دبلوماسية سلمية تقريبا و مناسبة لتجنب الحرب حسب قول الباحث مذكرا بالمثال العراقي الذي يظهر أن المشكلة العامة هي أن العقوبات غالبا ما تكون الخطوة الأخيرة قبل توجيه ضربة عسكرية. وبعبارة أخرى، سوف تعوض “العقوبات الذكية” ب”القنابل الذكية”.

ووفقا للمتحدث، فإن العقوبات لا تسهل حل النزاعات على الإطلاق، بل تساهم في تصلب الجبهات المعارضة. في الواقع، يرى كلا الجانبين العقوبات من خلال زوايا مختلفة جوهريا: في حين يرى الغرب العقوبات من منطق التكاليف والفوائد التي تعود على البلد الخاضع لها، تبدو لإيران وكأنها وسيلة غير شرعية للضغط و لا بد من مقاومتها. وبالإضافة إلى ذلك، هناك تأكيد منتشر أن هناك علاقة إيجابية بين العقوبات والديمقراطية. ولكن في الحقيقة، بإضعاف الطبقات الاجتماعية الوسطى، ينمو تقدم سلطة الدولة على المجتمع المدني.

هذا يدل على أن توقع اندلاع أعمال الشغب بسبب العقوبات هو خيالي وليس حقيقي. يخلص السيد فتح الله إلى أن سياسة العقوبات تأتي بنتائج عكسية على مستويات متعددة (دبلوماسية واجتماعية واقتصادية). وعلى الرغم من الحاجة السياسية لإلغاء العقوبات كأداة حكيمة للسياسة الخارجية ، هناك العديد من العوائق السياسية والمؤسسية لتفكيك شبكة كثيفة للغاية من العقوبات المفروضة على إيران.

يتناول البروفيسور ماثيو هابولد ، أستاذ في القانون الدولي العام في جامعة لوكسمبورغ، الشروط الإنسانية لتنفيذ العقوبات.

يفسر هابولد انه على عكس العقوبات الواسعة النطاق أو الشاملة، ينبغي أن تفرض العقوبات الموجهة أو “العقوبات الذكية” لتجنب إيذاء الأبرياء من منظور إنساني. ولكن من ناحية أخرى، كان هناك اعتقاد بأن العقوبات الشاملة لم تكن فعالة جدا: كان يعتقد أنها تضر الأبرياء، ولكن من ناحية أخرى، لا يتأثر بها المسؤولون بما أنه بفضل مكانتهم يستطيعون الهروب من هذه العقوبات. كان للفكرة شقان وفقا للسيد هابولد: تجنب الأضرار الجانبية مع ضرب قوي لأولئك الذين كان  سلوكهم في أصل حالة تؤدي إلى فرض العقوبات.

يلوم الأستاذ هابولد مع ذلك،  أن مصطلح “العقوبات الموجهة” غير دقيق للغاية. حيث يبدو من ناحية أنه يشير إلى عقوبات تستهدف أفراد معينين، ولا سيما بتجميد أصولهم المالية ومنعهم من السفر. ولكن يستخدم أيضا في حالات تنطوي على عقوبات قطاعية أين تكون فيها أشكال معينة من الاستيراد أو التصدير محظور. يستند هابولد على مثال من الحالة الأولى المتمثلة في الحظر المفروض على الأسلحة.

ترأس رئيس الجامعة أرميل بيشول، أستاذ مشارك في كلية الحقوق، المائدة المستديرة الثانية حول آفاق وعواقب العقوبات.

تناول أول المتحدثين، جان بيير فيتوفاجليا ، سفير سابق لسويسرا في فرنسا وأستاذ في الجامعة، تأثير وفعالية العقوبات.

خصص إسهام السفير فيتوفاجليا، أساسا لدراسة تأثير وفعالية العقوبات بصفة عامة وفي مجال الانتشار النووي على وجه الخصوص. وتستند اعتباراته على الأعمال الأخيرة ل “كونسورتيوم العقوبات المستهدفة” الذي وضع تحت إشراف البروفيسور توماس بيرستيكر بمعهد جنيف. سعى هذا الاخير لإثبات عدم الفعالية النسبية للعقوبات و حتى في ما يخص حظر الانتشار على الرغم من أن معاهدة حظر الانتشار النووي لا تزال واحدة من أكثر المعاهدات الدولية المحترمة في مجال القانون الدولي العام.

وقد أكدت مساهمته أن واضعي العقوبات لا يقلقون كثيرا من أثرها وفعاليتها. وبإضافة عقوبات الامم المتحدة و اخرى احادية الجانب ومتعددة الأطراف اصبح الكل غير واضح جيدا وأقل شرعية شيء فشيء. و يضيف ان هذا لا يمنع الاحتجاجات الحسنة النية التي تحجب العقوبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحقيقية التي يراد الآن استهدافها حصرا حيث تخفي أهداف عدم الانتشار اهداف أخرى أكثر إحراجا. فمن المرجح ان تطوير منظومة الأمم المتحدة والانتقال إلى عالم اصبح متعدد الأقطاب جعل من الصعب اكثر فأكثر تطبيق عقوبات قسرية متعددة الأطراف في مجال عدم الانتشار. وبالمثل، يستطيع أن يصبح تفسير القوى الغربية للمادتين الثالثة والرابعة من معاهدة حظر الانتشار النووي بخصوص إيران أكثر صعوبة لقبوله في المستقبل.

عنون المتحدث الثاني، السيد الكسندر أراكشفيلي، محاضر في كلية الحقوق في جامعة برمنغهام، خطابه عواقب العقوبات الاحادية الجانب على نظام الأمن الجماعي للأمم المتحدة.

ركز عرض الدكتور أراكشفيلي على عقوبات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ضد إيران و سوريا، من حيث التأثير على آلية الأمن الجماعي للأمم المتحدة. تثير العقوبات ضد ايران و سوريا، وفقا للمتحدث، تساؤلات حول العلاقة بين -التدابير المضادة- بموجب قانون مسؤولية الدولة والعقوبات كتدابير للأمن الجماعي.

أبرزت مداخلة السيد أراكشفيلي ما يمكن أن تؤدى كل هذه الأنواع من التدابير وتأثيرها من الناحية القانونية. هذا السؤال يطرح نفسه في ما يتعلق بخطر ازدواجية جهود الأمن الجماعي بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والذي يحمل خطر عرقلة فعالية العقوبات عندما يلحق الضرر بشعوب الدول المستهدفة، دون مبرر كاف.

تدرس مداخلة الأستاذ فرانسوا جيري، رئيس و مؤسس المعهد الفرنسي للتحليل الإستراتيجي دور العقوبات في تطبيق مخطط عدم انتشار الأسلحة النووية.

يشكل الحصار والعقوبات استراتيجية كلاسيكية قديمة حيث يعتبر فيه الوقت عامل جوهري. ومع ذلك، في حالة إيران يعتقد السيد جيري أن هناك أيضا لعبة أساسية مع عامل الوقت: تقدم البرنامج النووي لإيران والقرب المتزايد لتوافر المواد التي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية. حيث وجد السيد جيري العديد من القراءات التي ترى أن إيران تسعى لتوفير الوقت و أن المعارضين يعتمدون على آثار العقوبات على الزمن.

أكد الأستاذ جيري أن إيران بسبب العقوبات والصعوبات المصرفية الناتجة يفقد الكثير من المال على مدخولات الهيدروكربونات و لا بد ان يبيع بسعر منخفض. كما لا بد على طهران تمديد مواعيد الدفع. هناك الآن اتفاقات “مقايضة” معقدة جدا مع الهند مثلا : الهيدروكربونات ضد القمح. و لكن يسمح ارتفاع أسعار النفط منذ عام 2004 للحكومة الإيرانية بالمحافظة على عائدات في نفس المستوى تقريبا مع تراجع المبيعات بحوالي نسبة 25٪.

على الرغم من أن معظم البلدان توافق على الخضوع (جزئيا) الى أوامر من الولايات المتحدة (اليابان، كوريا الجنوبية …)، لا يزال العديد من مؤيدي طهران في الصين والهند.

التناقض الذي تسببه العقوبات يتمثل في انها تسلط الضوء على اعتماد الاقتصاد الايراني على النفط وتوفر حجة في صالح تطوير الصناعة النووية.

المداخلة الرابعة، القاها الأميرال جان دوفورك، رئيس تحرير مجلة ديفونس ناسيونال و مدير البحوث في معهد البحوث الاستراتيجية للمدرسة العسكرية، بعنوان الآثار الجيواستراتيجية للعقوبات.

وفقا للأدميرال دوفورك، يبدو أن آلية العقوبات الدولية ضد إيران تضعف النظام الدولي ككل أكثر فأكثر. فإنها بعيدا عن تعزيز الفجوة بين الشعب و النظام، تعزز النظام وتضعف استراتيجيات القوة للبلدان الناشئة ودول بريك (البرازيل و روسيا و الهند و الصين) الذين يبدون خيبتهم بخصوص الوضع الراهن الذي يسعى إليه الغرب على حساب ديناميكيهم الإستراتيجية . ثلاثة جوانب أساسية هي ذات الصلة من وجهة نظر الأميرال:

-تبدو اللعبة متحيزة بقوة ولا تعكس رغبة حقيقية في التفاوض انطلاقا من قيود معقولة؛

– الضغط الجماعي هي استراتيجية  يمكن تفاديها بواسطة الاستهداف في السياق الحالي المتميز بتنويع الدعم لإيران و بأحادية الولايات المتحدة ؛

– العقوبات ضد إيران كما هي مطبقة تطرح مشكلة حقيقية للحكم في النظام الدولي

دعوة للترحيب بوسيلة جديدة من التفاوض هي أكثر واقعية وقابلة للتنفيذ، خاصة وأن النظام الإيراني يبدو الآن على استعداد لما يمكن أن يسميه تعاونا باردا أدنى مع كل المفاوضين.

ناقش المتحدث الخامس، علي رضا جلالي، باحث في القانون الدستوري في أوراسيا و في مركز الدراسات المتوسطية في إيطاليا موضوع العقوبات وأصل التغيير الاجتماعي في البلدان المستهدفة: حالة إيران.

نظرا لأهمية النفط في اقتصاد إيران يعتقد علي رضا جلالي أن العقوبات سيكون لها تأثير سلبي على البلاد، وخاصة على المدى القصير. و قال ان الأثر الرئيسي هو انخفاض قيمة العملة المحلية وارتفاع حاد في معدلات التضخم، البالغ في الوقت الراهن حوالي 30٪. وقد انعكس ذلك وفقا للمتحدث، بارتفاع في الأسعار والذي قد يسبب العديد من المشاكل ، وخاصة بالنسبة للطبقات المتوسطة والفقيرة والموظفين الإيرانيين ولكن استفادت أغنى الأسر وبعض دوائر الطبقة الوسطى من ذلك، وهذا بفضل المضاربات المالية.

في الواقع ، يقول رضا جلالي، لا يمكن لإيران أن تجري معاملات مصرفية دولية، أو حتى إذا ما بوسعها اجراء مثل هذه المعاملات، فإنها تتم في ظروف سيئة وصعبة للغاية. فالعقوبات لا “تعلم” اي شيء، ولكنها تدفع السياسات إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة. وأضاف انه بدون القطاع النفطي، تفقد إيران المصدر الرئيسي للدخل في البلاد. من ناحية أخرى، لقد أجبر هذا البلد على إيجاد بديل للنفط والطاقة النووية من أجل البقاء على قيد الحياة، لذلك فهو مرشح تاريخي. يفهم الشعب الإيراني إذن على الرغم من الصعوبات في فرض العقوبات، لاعقلانية هذه التدابير مما تسبب في انتشار الشعور بالظلم، لكنه أدى إلى زيادة الكراهية ضد القوى الدولية المتغطرسة المسؤولة مباشرة عن هذه العقوبات الاقتصادية الظالمة. وهذا يخلق فقط الكراهية في المجتمع الإيراني، ليس ضد النظام الايراني، بل ضد الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية.

تحدث بيير بيرتيلو، باحث و محاضر في ايفاس و يبس،  عن آثار العقوبات على اقتصاد البلدان المستهدفة.

عندما يبدو أن الدبلوماسية قد فشلت وأن استخدام القوة من الأمر الصعب، أو من المستحيل أو من غير المناسب، يصبح سلاح العقوبات، خاصة ذات الطبيعة الاقتصادية وفقا للسيد بيرتيلو، الوسيلة الرئيسية للعلاقات بين بعض القوى والدول التي يعتبرونها مشوشة النظام الدولي، وخاصة عندما يكون لديهم أسلحة نووية أو معروفون برغبتهم في الحصول عليها. وبالرغم من ذلك، أظهرت التجربة حتى الآن أنه بالرغم من انه لا يزال للعقوبات تأثير سلبي على اقتصاد هذه الدول، فهي مع ذلك لا تكفي لإضعافها بطريقة حاسمة. و يشرح السيد بيرتيلو انه بإمكان هذه البلدان “المتمردة”  أن تطور تدريجيا اقتصاد “مقاومة” يميل نحو الاكتفاء الذاتي و يفضل المقايضة. أسوأ من ذلك، إن العقوبات عموما تعزز سياسيا الأنظمة التي تنمي بالتوازي سيطرتها على موارد تم إنتاجها ثم إعادة توزيعها على شعب يرى ظروفه المعيشية تتدهور على عكس القادة أو من ممنونيهم.

اختتم السيد كريستوف ريفيار، رئيس قسم الأبحاث في جامعة السوربون و في  س ان ار سي، هذا المؤتمر الدولي بتوليف مدقع ذكّر فيه بالمواضيع الرئيسية لمختلف المتحدثين وبالأجوبة التي قدموها. قال البروفيسور أن السلك الأحمر للمؤتمر هو عدم تناسب العقوبات الدولية مع الأهداف المعلنة.  و أضاف مثل السيناتور دي مونتيسكيو و الرئيس راست بين وغيرهم، أن الحاق الضرر بالشعب الإيراني يعزز وحدته الداخلية ضدّ العالم الخارجي و رغبة أغلبيّته في تحقيق القدرة النووية. لذلك هو يشكّك في فعالية العقوبات.

أصر السيد ريفيار أيضا مثل عدد لا بأس به من المداخلين على الطبيعة غير المتكافئة في تحديد من يمكن أن يكون لديهم الطاقة النووية المخصصة للأعضاء الخمسة لمجلس الأمن، مع وجود استثناءات قليلة بما في ذلك الاستثناء الإسرائيلي الذي يعرض موضوع أحمر آخر لهذا المؤتمر. وأضاف انه بعد ذلك تم تقرير العقوبات بطريقة غير ديمقراطية دون نقاش و بغياب تناسق كبير في القرارات مع استخدام حجج عامة.

خصوصا أنه حدث تعدي على حقوق الإنسان والذي هو الفرامل و الحد النهائي للعقوبات، و لكن دون أن يجيب المجتمع الدولي لذلك. في الواقع، بتذكير مثال الأستاذ كوفيل، عندما يبلغ معدل التضخم أكثر من 40٪ هناك مساس مباشر بالقدرة الاقتصادية أو حتى القدرة على البقاء لجزء من السكان.

وبالتالي فإن هناك نقلة نوعية وكمية حتى من دون مبرر واضح في تطبيق العقوبات من قبل الاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص.

على الصعيد القانوني، يذكر البروفيسور ريفيار مصطلح “تلوث” القانون الدولي العام من قبل الهيمنة الأمريكية على منطق الحسم للنظام الدولي كما قال سيد حاتم، وبسبب الطبيعة الباهظة من القانون المشترك الذي يظهر في العقوبات التي تتجاوز الحدود الإقليمية . الخطأ في المسار المختار هو امر واضح من وجهة نظر المتحدث. والسؤال مطروح حول الحاجة إلى حوكمة جديدة من المفاوضات الدولية.

وباختصار يسطر السيد ريفيار نوعية الأسئلة والتعليقات من الحضور و التي أثرت هذه المادة الجميلة المشتركة من مختلف الاتصالات وأهمية التعليقات التي أدلى بها المؤتمر والتي لا يوجد لها معادل في الساحة العلمية الفرنسية و الدولية، كما أشار الى ذلك العديد من المداخلين.

مراجعة و ترجمة الى العربية  : ف. دحماني

 

اترك تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here